يشهد العالم اليوم تحولات مفاهيمية لا تتغذى على التغيرات في موازين القوى أو في أدوات الصراع ومواكبة مساراتها فحسب، بل بلغ عمقها حدّاً يمسّ معنى الدولة ووظائفها، ويعيد صياغة مفهوم الأمن ذاته بصورة جذرية. فالأمن لم يعد يُختزل في حماية الحدود أو امتلاك أدوات الردع العسكري، بل أصبح منظومة مركبة تتقاطع فيها أبعاد مختلفة: اجتماعية، بيئية، رقمية... - بحيث غدا اختلال التوازن القيَّمي أو الرقمي أو البيئي تهديداً لا يقل خطورة عن التهديدات العسكرية التقليدية. ومن ثَمّ لم يعد الأمن مسألة وسائل فقط، بل مسألة إنسان وقيم قبل كل شيء.
ضمن هذا التحول، يعود مفهوم «خدمة العلم» إلى دائرة النقاش، باعتباره مدخلاً لإعادة التفكير في العلاقة بين المواطن والدولة. فهذه الخدمة، التي ارتبطت تاريخياً بالتجنيد العسكري، لم تعد قادرة بصيغتها التقليدية على الاستجابة لتعقيد التهديدات الجديدة، مما يفرض الانتقال بها من منطق التعبئة الظرفية إلى منطق تأهيل الإنسان «مواطنياً» وقيمياً؛ أي من تجنيد الأجساد إلى ترسيخ الوعي، ومن إعداد الجندي فحسب إلى تكوين المواطن الحامل لمنظومة القيم المشتركة.
وبهذا المعنى، تغدو الخدمة الوطنية فضاءً لإعادة بناء الرابط الجامع الشامل في زمن تتسارع فيه "الفردانية" (individualisme) وتتآكل فيه المرجعيات الجامعة.
ويطرح هذا الانتقال إشكالية مزدوجة: كيف الحفاظ على الرصيد الرمزي والتاريخي لخدمة العلم باعتبارها إحدى أدوات بناء الدولة، وفي الوقت نفسه توسيع وظائفها لتستوعب مقتضيات الأمن الشامل، وفي مقدمتها الأمن القيَّمي بمجالاته المختلفة. وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في الحالة الموريتانية.
تقوم الفكرة الرئيسية لهذه المقاربة على كون الخدمة الوطنية لم تعد خياراً ظرفيا- إداريا أو تنظيميا- فحسب، بل أصبحت عنصراً بنيوياً في هرم الأمن الشامل، وأداة لإعادة بناء الأمن القيَّمي بوصفه قاعدة الاستقرار طويل المدى.
وعلى هذا الأساس، ينتظم البحث حول أربعة محاور مترابطة:
- جدلية المفهوم وتعدد التسميات
- المسارات التاريخية للخدمة العسكرية وتحولاتها
- المفهوم الحديث للخدمة الوطنية في سياق شمولية الأمن
- أين موريتانيا من الأمر؟
أولاً: جدلية المفهوم وتعدد التسميات
يمكن تناول الموضوع من زوايا متعددة، وهو ما يجعله غنيًا بالدلالات، التي لا تخلو من نقاط قوة ونقاط ضعف.
أ- نقاط القوة
- يحمل عنوان "خدمة العلم / صناعة الرجال " طابعًا تعبويًا قويًا، إذ يستحضر الذاكرة الوطنية ويستدعي رمزية الالتزام من أجل الوطن(patriotisme).
- يشتغل على رمزيات قوية: الانضباط، الصلابة، التحمل، المسؤولية. وهي قيم شكّلت دائمًا جزءًا من الثقافة العسكرية ومن التصور العام لبناء الدولة.
- يصل بسرعة إلى الجمهور الشعبي والشبابي لما يحمله من شحنة معنوية قوية قد يرى فيها البعض لونا من " الأدلجة" ولكن أي مفر من الأدلجة ؟ وما العيب فيها في هذه الحالة؟
- له صدى تاريخي وتراثي -خاصة في السياقات العربية والإسلامية.
ب. نقاط الضعف.
قد تثير بعض القراءات الحديثة تحفظين ارتأينا التوقف عندهما:
- أولهما أن عبارة "خدمة العلم" قد توحي بحصر الموضوع في بعده العسكري التقليدي المحض، بينما مفهوم الأمن اليوم أوسع بكثير ويشمل أبعادًا تنموية واجتماعية وبيئية: القوات المسلحة وقوات الأمن لا تقاتل فحسب وتخيف، بل تبني أيضا وتطمئن.
- ثانيهما أنعبارة "صناعة الرجال" تبدو مثيرة هي الأخرى للجدل. فاللغة "الجندرية" (النوع الاجتماعي -- le genre ) قد تُفهم على أنها تُقصي النساء. في حين أن الأمن الشامل يفترض إدماجًا فعّالًا للنساء في مختلف مجالاته، ولاسيما في بناء وتوظيف القوة الناعمة، مثل: التعليم، الإدارة، الدعم اللوجستي، الصحة، البيئة، تعزيز التماسك الاجتماعي...
غير أن هذه القراءة ليست الوحيدة الممكنة؛ فكلمة "الرجل" في السياق اللغوي والثقافي العربي والإسلامي قد تدل على الإنسان -ذكرا أو أنثى- وعلى مسؤوليته. وفي هذا المعنى يمكن الاستئناس بقوله تعالى:
﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِ) صدق الله العظيم -سورة لأحزاب: الآية 4.
ومع ذلك، وتفاديًا لأي لبس، فنرى من الأنسب اعتماد صيغة أكثر شمولًا مثل:
"الخدمة الوطنية وبناء المواطن".
التسميات المختلفة:
|
التسمية |
الدلالة |
|
الخدمة الوطنية |
أوسع: تشمل الجيش، الإغاثة، الأشغال، غرس وتنمية روح المواطنة... |
|
التجنيد الإجباري |
يبرز الطابع الإلزامي |
|
الخدمة المدنية |
خدمة مدنية: بديلة عن الخدمة العسكرية، أو غير مرتبطة بها (موريتانيا) |
|
الخدمة الشاملة |
إدماج كل الشباب |
|
الاحتياط الوطني |
الربط بالجاهزية: حسب الحاجة (سويسرا) |
أيا كانت التسمية أو التعاريف، فهي تدل على الالتزام القانوني الذي تفرضه الدولة أو تطلبه من مواطنيها، وخاصة فئة الشباب (الذكور في الغالبية، وبعض الدول النساء أيضاً) لأداء فترة خدمة في القوات المسلحة أو في مهام وطنية ذات طابع عسكري/مدني.
وتتخذ عموما ثلاث صيغ:
- خدمة إلزامية تشمل فئة عمرية كاملة.
- خدمة تطوعية تقوم على الانخراط الطوعي مقابل امتيازات مادية أو مهنية.
- صيغة مختلطة تجمع بين الإلزام مع بدائل مدنية
ثانيا: مسارات المفهوم عبر التاريخ وطابعها غير الخطي (non linéaire)
حتى عهد قريب نسبيا- في عصر الدولة الحديثة- لم تكن القوة المسلحة لدى الحاكمين وهيمنتها المطلقة تشكلان عثرة فكرية ولا عملية في وجه وظيفتها العنيفة وطابعها الذكوري.
إن استثنيانا الدولة الإسلامية في بدايات عهدها، فقد كان النظام الإقطاعي عموما هو المؤسس. لم يكن هناك جيش وطني، بل جيوش للسادة الحاكمين:
- الفارس يقاتل لسيده.
- الفلاح يُساق قسرا، ويدفع ثمنا غاليا للحرب.
- الولاء شخصي، لا وطني.
- القوة العسكرية أداة سيطرة، لا وسيلة حماية جماعية.
من جيوش الولاء للحاكم إلى جيوش الأمة
مع نشوء الدولة الحديثة في أوروبا، ثم مع الثورات الكبرى، خصوصاً الثورة الفرنسية، حدث تحول عميق: أصبحت الأمة -مبدئيا على الأقل- هي مصدر السيادة، وأصبح الدفاع عنها واجباً على أبنائها.
هنا وُلد مفهوم المواطن-الجندي كما ولدتْ الخدمة العسكرية كمدرسة للجيش الوطني. لكن مسارها لا يتبع دائمًا منحنى ثابتًا. بل يتأثر بالتحولات الجيوسياسية العالمية وفي المحيط الجغرافي للبد، وبالنظام السياسي القائم فيه (وسنقدم حالة موريتانيا كمثال).تراجع النموذج العسكري التقليدي وتعرجات الخدمة العسكرية
مع نهاية الحروب الكبرى ونهاية الحرب الباردة وبروز الحروب التكنولوجية والنمو العظيم للفردانية داخل المجتمعات:
- تراجع التجنيد الإجباري،
- احتُرفت الجيوش،
- وضعف الرابط بين الجيش والمجتمع.
لكن مع حرب أوكرانيا، وانتشار الفكر الشعوبي والحركات السياسية الحاملة لرايته وما ينجم عن ذلك من تحولات جيوسياسية من أبرز تجلياتها شعار الرئيس ترومب "أمريكا أولا" (America first) وآثاره السلبية على حلفائه في أوروبا وغيرها، نلاحظ انتعاشا جديدا للخدمة العسكرية.
كما حدث تغير جوهري في مفهوم الأمن، حيث أصبح شاملا أو لا يكون:
يشمل البيئة، المناخ، الهجرة، الكوارث، الرقمنة...
معالم تاريخية
|
المرحلة |
السمة |
عناصر سياقية |
|
القرن 19 |
تجنيد جماهيري للجيوش الوطنية |
الحروب الاستعمارية |
|
الحربان العالميتان |
تعبئة شاملة |
تجنيد الشعوب المستعمرة |
|
الحرب الباردة |
جيوش احتياط ضخمة |
مأسسة الخدمة العسكرية |
|
بعد 1990 |
تقليص التجنيد الإجباري |
تفكك الاتحاد السوفيتي شمولية مفهوم الأمن تحت تأثير العولمة |
|
بعد 2014 |
عودة التجنيد في أوروبا واتساع مجالات الخدمة الوطنية |
احتلال شبه جزيرة القرم من طرف روسيا |
|
بعد 2022 |
توسع جديد بسبب الحرب الأوكرانية |
نمو الإيديولوجيا والأنظمة الشعوبية |
ثالثا: المفهوم الحديث في سياق شمولية الأمن
لم تعد مهمة الجيش محصورة في امتلاك وتطوير السلاح القاتل (armement létal).
بل أصبح يجب على الجندي في القرن 21 أن يكون:
- حاميا للحدود الجغرافية والأرض،
- حاميا للأمن القيّمي،
- حاميا للأمن البيئي.
- ...
وطبعا هذا المفهوم الجديد الشامل للأمن أدى إلى تحول في مفهوم الخدمة العسكرية البحتة إلى خدمة وطنية نؤشر له بثلاثة "لاءات":
- لا تُختزل في الجندي التقليدي حامل البندقية،
- لا تُفصل عن الدولة وبنائها،
- لا يُستثنى منها أحد.
ومع ذلك، فمهما كانت تطورات مفهوم الأمن والاتساع المتزايد لدلالاته، فإن البعد العسكري لا يبقى ضروريا فحسب بل محوريا، لكنه جزء من منظومة أمن وطني شاملة لا ينبغي أن تُختزل فيه. نتعرض فيما يلي لثلاثة مفاهيم من أحدثها لها مكانة مركزية في الخدمة المدنالوطنية:
- الأمن القيَّمي (Sécurité axiologique)
التعريف: هو حالة من الاطمئنان المجتمعي تنتج عن استقرار منظومة القيم المشتركة التي تنظّم السلوك الفردي والجماعي، وتمنح المجتمع مناعة أخلاقية وثقافية ضد التفكك والعنف والانحراف. ويقوم على حماية القيم المؤسسة لبنية المجتمع ونقلها عبر الأجيال، مثل: الهوية الجماعية، والمرجعيات الأخلاقية، وروح الصالح العام، والمواطنة، والثقة الاجتماعية... بما يضمن استقرار الأساس اللامادي الذي لا يقوم أمن دائم بدونه.
سياقاته
- في السياق الإسلامي-العربي والإفريقي: حماية القيم الدينية والاجتماعية والهوية الثقافية في مواجهة آثار العولمة والإعلام الرقمي، دون انغلاق أو اجترار عقيم للماضي.
- في السياق الأكاديمي الغربي: يرتبط بالأمن الوجودي أو الهوياتي، أي حماية النظام القيمي الذي يمنح المجتمع معناه: تماسكه وفردانيته.
- في السياق الرقمي الحديث: يبرز مفهوم الأمن القيمي الرقمي لحماية القيم من الفوضى المعلوماتية والتلاعب بالرأي العام والتطرف عبر المنصات.
مكوّنات الأمن القيمي
الهوية الثقافية والحضارية: حماية اللغة والذاكرة الجماعية والرموز الوطنية.
- الوعي المواطني: ترسيخ الحقوق والواجبات وتقديم المصلحة العامة.
- التربية والتعليم: نقل القيم وبناء شخصية متوازنة.
- الأمن الثقافي والإعلامي: مواجهة التضليل وخطابات الكراهية.
- المسؤولية البيئية: ترسيخ المواطنة البيئية تجاه الحاضر والأجيال القادمة.
آلياته (المؤسسات الحاضنة للقيم)
- الأسرة، المدرسة،
- الإعلام،
- المؤسسة الدينية،
- الخدمة الوطنية.
الأمن القيمي عبر الخدمة الوطنية
- على مستوى المواطن: ترسيخ الانضباط الواعي، والطاعة المسؤولة، والتضحية من أجل الوطن.
- على مستوى المجتمع: مقاومة خطاب الكراهية والعنف الرمزي وتبرير الفساد.
- ضمن الأمن الشامل: تحصين الشباب من التطرف والجريمة والاغتراب-الانحراف الهوياتي (aliénation).
ب - الأمن القيَّمي الرقمي
هو منظومة سياسات وآليات تربوية وثقافية وتكنولوجية لحماية القيم داخل الفضاء الرقمي، تتجاوز حماية الشبكات لتشمل صون الوعي المجتمعي في مواجهة تحولات العصر الرقمي.
خصائصه
- بعد ثقافي لامادي: حماية المعايير الأخلاقية والهوية الثقافية رقمياً.
- بعد معرفي وإعلامي: مكافحة التضليل والتلاعب والتطرف، وتنمية التفكير النقدي.
- بعد تربوي: إعداد المواطن الرقمي المسؤول وتعزيز التربية الإعلامية.
- بعد سيادي (مسؤولية الدولة): حماية البيانات والتحكم في البنية الرقمية وتجنب التبعية القيميَّة.
- بعد وقائي: التنشئة الاجتماعية الرقمية[i] (socialisation numérique) والتأطير الأخلاقي وتعزيز المسؤولية الجماعية.
وتُعدّ الخدمة الوطنية رافعة أساسية له عبر تكوين الشباب على المواطنة الرقمية وأخلاقيات الفضاء الإلكتروني.
ج - الأمن القيَّمي البيئي
التعريف: هو مجموعة السياسات والممارسات التربوية والمؤسساتية التي تحمي البيئة وتُرسّخ قيماً جماعية قائمة على المسؤولية البيئية والعدالة بين الأجيال والاعتدال والتضامن.
المنطلق: ينطلق من أن الأزمة البيئية هي أزمة قيم، وأن الاستدامة تتطلب إعادة توجيه أخلاقي لأنماط الإنتاج والاستهلاك.
الوسائط:
- ادماج البعد البيئي في الخدمة الوطنية كرافعة رئيسية لها
- إقامة برامج تعليمية: التعليم العام والتعليم المهني
- إقامة برامج وحملات تحسيسية واسعة يتم فيها على نطاق واسع توظيف الإعلام والوسائط الرقمية ويشارك فيها بفعالية الفاعلون السياسيون وهيئات المجتمع المدني.
مرتكزاته
- رؤية شمولية للبيئة الطبيعية والاجتماعية والثقافية.
- مقاربة وقائية قائمة على التربية وتغيير العقليات.
- امتداد بين الأجيال يحفظ حقوق المستقبل ويضمن استدامة الموارد.
الأهداف
- الفرد: تنمية الوعي والسلوك المسؤول.
- الشباب: إدماج البعد البيئي في التعليم والخدمة الوطنية.
- المجال التربوي: برامج تعليمية وتكوين مستمر وحملات توعية.
امثلة من سياسات الدول حول ادماج الأمن القيمي والأمن القيمي البيئي في الخدمة الوطنية
|
الدولة |
نموذج الخدمة الوطنية / البديل |
إدماج الأمن القِيَمي |
إدماج الأمن القِيَمي البيئي |
الدلالة الاستراتيجية |
||||||
|
فنلندا
|
خدمة عسكرية ومدنية ضمن نموذج الأمن الشامل |
ترسيخ الثقة، المسؤولية الجماعية، أخلاقيات القرار |
مشاركة المجنّدين في إدارة الأزمات والكوارث البيئية |
الخدمة الوطنية أداة لبناء المواطن المسؤول |
||||||
سويسرا
|
خدمة عسكرية + خدمة مدنية بديلة |
احترام الضمير، الواجب، التضامن الاجتماعي |
الخدمة المدنية تشمل حماية البيئة والتراث |
الأمن القِيَمي قائم على التعدد والمسؤولية |
||||||
|
ألمانيا (سابقا) |
|
التضامن، رعاية الفئات الهشة، الانضباط المدني |
مشاركة واسعة في قطاعات الصحة والبيئة |
القيم الاجتماعية جزء من الأمن الوطني |
||||||
|
فرنسا |
|
التربية على المواطنة، الالتزام، التضامن |
|
|
||||||
|
كوريا الجنوبية |
خدمة عسكرية موسّعة |
الانضباط، الواجب، الخدمة العامة |
تدخل المجنّدين في الكوارث وإعادة التشجير |
حماية الأرض واجب وطني |
||||||
|
المغرب |
خدمة عسكرية (منذ 2019) |
الانضباط القِيَمي، المواطنة، الاندماج |
أنشطة اجتماعية وبيئية موازية للتكوين |
إعادة بناء العقد القِيَمي مع الشباب |
||||||
|
روندا |
برامج Itorero (تأهيل وطني)[iii] |
|
تنظيف البيئة، إعادة التشجير، الانضباط البيئي |
لقيم تُبنى بالممارسة لا بالشعارات |
مرتْ موريتانيا بعدة تجارب بعضها ظرفي وبعضها مؤسساتي وغير مكتمل. نوجزها في خمس محطات نقدية:
1. عندما بدأت الخدمة بمنطق التأديب...
بدأت الخدمة العسكرية الإلزامية سنة 1972 بموجب المرسوم رقم 72.166 بتاريخ 2 أغسطس 1972، كإجراء ذي طابع تأديبي موجَّه أساسًا لقهر إثنى عشر شابا من الطلاب المعارضين. وكانت الطابع القمعي هو السمة المميزة للتجربة المرة حسب شهادات بعض من عانوا مرارتها[iv].
وطبعا فبوصفها عقوبة تجنيد قسري: فهي تجربة ذات طابع قمعي سياسي بعيدة كل البعد من بناء خدمة وطنية مؤسسية، مخالفة لمنطق الأمن القيمي بل على نقيضه تماما.
2- تشريع موجود… بلا حياة
بعد ذلك، حاولت الدولة تأطير الخدمة قانونيًا.
صدر القانون رقم 73-016 بتاريخ 23 يناير 1973 لتنظيم الخدمة العسكرية، وتلاه مرسوم تطبيقي في السنة نفسها: مرسوم رقم 73-128 بتاريخ 08 يونيو 1973.
أي أن الإطار القانوني أصبح موجودًا. لكن المفارقة الكبرى أن التطبيق توقف سريعًا، واقتصر على دفعة واحدة من طلاب الثانوية سنة 1975، رغم دخول البلاد حرب الصحراء في نفس السنة.
أي في اللحظة التي تحتاج فيها الدول عادة إلى أعلى درجات التعبئة الوطنية.
وهذا يعني أن المشكلة لم تكن في غياب النصوص وحده… بل في غياب أو فقر الرؤية الاستراتيجية.
3. — عندما تتحول الخدمة إلى أداة تعبئة وتحريض سياسية
في سياق الحرب، أُنشئت "الخدمة المدنية الوطنية" سنة 1976 بقرار من المجلس الوطني للحزب الحاكم آنذاك -حزب الشعب الموريتاني-
لكنها لم تُبنَ على دروس التجارب السابقة، ولا على إطار قانوني. بل ظهرت كأداة تعبئة ظرفية سياسية داعمة للمجهود الحربي. وكالتجربة السابقة فهي أيضا مخالفة لمفهوم الأمن القيمي. وتجسدت أساسا في:
- شباب ومسؤولين بزي شبه عسكري،
- تعبئة ميليشيات "مسلحة" للاستعراض
- حضور إعلامي قوي…
وهذا خارج عن أي أساس قانوني.
ولهذا، ومع سقوط النظام سنة 1978، اختفت التجربة فورًا.
4- مرجعية دستورية غير مفعلة
تنص المادة 1 من دستور1991 على أنه من ضمن مجال القانون:
"الحقوق والواجبات الأساسية للأفراد، ولا سيما نظام الحريات العامة، وحماية الحريات الفردية، والقيود التي يفرضها الدفاع الوطني على المواطنين في شخصهم وممتلكاتهم."
النص لا يذكر الخدمة الوطنية صراحة، لكنّه يفتح الباب لها دستوريًا.
بمعنى آخر: الأساس موجود…لكنه ضمني.
وهنا تكمن المفارقة الموريتانية: لدينا إمكانية دستورية، لكننا لم نحولها إلى مبدأ مؤسس صريح.
ولو تم التنصيص الصريح على واجب الخدمة الوطنية، لأصبحت:
- أكثر شرعية،
- أكثر استقرارًا،
- وأقل عرضة للتوظيف السياسي.
5. إشكالية عدم التكامل بين الخدمة العسكرية والخدمة المدنية
اليوم، أُعيد تنظيم الخدمة المدنية عبر نصوص حديثة. وتم انشاء إدارة خاصة بها:
- مرسوم رقم 2025-032 / و.أ/ يحدد قواعد وآليات تنظيم الخدمة المدنية في موريتانيا
- مرسوم رقم ..............2025-106........../و.أ/ يقضي بإنشاء جائزة رئيس الجمهورية لأفضل الأعمال التطوعية
- مقرر رقم 001276 و.ت.ش.ت.ر.خ.م، يقضي بتحديج تحفيزات متطوعي الخدمة المدنية
- المقرر قم 001379 و.ت.ش.ت.ر.خ.م/ يحدد تنظيم اللجنة المكلفة بتنظيم جائزة رئيس الجمهورية لأفضل الأعمال التطوعية وقواعد سير عملها ونظامها الداخلي
- المقرر رقم .................001090 و.ت.ش.ت.ر.خ.م/ المحدد لأشكال الالتزام في الخدمة المدنية.
وكما يظهر من طبيعتها- مراسيم ومقررات- فهذه النصوص لا تسمو إلى مستوى قوانين وإلى إلى مستوى دستوري.
وهو ما يطرح السؤال:
أي خدمة وطنية نريد؟
هل نريد قطاعًا إضافيًا داخل الدولة؟
أم نريد نظامًا وطنيًا مبنيا على قواعد دستورية وتشريعية صلبة لصناعة المواطن؟
الخدمة الوطنية الحديثة لم تعد عسكرية فقط ولا مدنية فقط.
إنها تربط بين:
- الدفاع،
- التنمية،
- البيئة،
- الرقمنة،
- القيم الجامعة للمجتمع.
ولهذا، وكخاتمة، فإن إعادة بناء خدمة العلم اليوم، يجب أن تنطلق من مفهوم الأمن الشامل وهرمه، حيث يكون:
- الأمن القيمي هو الأساس،
- يليه الأمن الرقمي،
- ثم الأمن البيئي،
- بينما يشكل الأمن العسكري قمة الهرم.
وفي هذا البناء،
لا تكون الخدمة الوطنية أداة سلطة…
بل مدرسة للمواطنة.
شكرا لحسن انتباهكم.
* تم إعداد وتقديم هذا النص في 17 رمضان 1447 هجرية، الموافق 07 مارس 2026، من طرف مؤلفه في شكل محاضرة في إطار النسخة الرابعة من الإحياء الرمضاني الذي تنظمه هيئة الشيخ سيد محمد الكنتي كل سنة.
[i] التنشئة الاجتماعية الرقمية هي مسار بنيوي لإعادة تشكيل الوعي الفردي والجماعي داخل الفضاء الرقمي، تُعاد من خلاله صياغة منظومة القيم والمعايير وأنماط الإدراك والسلوك عبر التفاعل الشبكي والخوارزميات وتدفقات المعلومات، بما يجعل البيئة الرقمية فاعلًا استراتيجيًا منافسًا للمؤسسات التقليدية في توجيه الهوية والانتماء وصناعة المعنى الاجتماعي.
وبعبارت أبسط فهي العملية التي يكتسب من خلالها الأفراد — خاصة الأطفال والشباب — القيم والمعايير والسلوكيات وأنماط التواصل عبر الوسائط الرقمية، مثل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية والمنصات التفاعلية.
فكما كانت الأسرة والمدرسة والحيّ في الماضي هي الفضاءات الأساسية لتعلّم السلوك الاجتماعي، أصبحت اليوم البيئة الرقمية فضاءً جديدًا للتعلّم والتأثير، حيث يتشكل جزء مهم من شخصية الفرد وهويته الاجتماعية عبر العالم الافتراضي.
[ii] Zivildienst كلمة ألمانية تعني حرفيًا: "الخدمة المدنية". وهي نظام كان معتمدًا في ألمانيا (حتى تعليق التجنيد الإجباري سنة 2011)، يتيح للمواطنين الذين يرفضون الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية أو أخلاقية أداء خدمة وطنية مدنية بديلة.
[iii] Itorero مصطلح من اللغة الكينيارواندية (Kinyarwanda)، ويشير تاريخيًا إلى مؤسسة تقليدية للتنشئة والتأطير القِيَمي كانت تُعنى بتكوين الشباب على القيم الأخلاقية، والانضباط، وخدمة المجتمع.
بعد الإبادة الجماعية سنة 1994، أعادت الدولة الرواندية إحياء Itorero وتحديثها، لتصبح برنامجًا وطنيًا معاصرًا للتأهيل المدني والقِيَمي، يُعدّ اليوم أحد نماذج الخدمة المدنية غير العسكرية.
[iv] Ndiawar Kane : Le fleuve refuse de séparer. Edit. CERDIS, Dakar 2023
تصنيف:







