خطوة مهمّة نحو الجواب عن سؤالٍ يسكنني بقلق...

قبل ستّ سنوات، نشرتُ نصًّا باللغة الفرنسية — (انظر الرابط [i]) تناول إشكاليةً أمنية مركّبة يمكن تلخيصها في السؤال الآتي:
شهادات "القدامى": هل تمثّل تحرّرًا محمودًا للكلمة أم انزلاقًا محفوفًا بغياب التأطير؟

1. محتوى النص

انطلق ذلك النص من ملاحظةٍ ميدانية مفادها أنّ الساحة الوطنية كانت — ولا تزال — تشهد تصاعدًا لافتًا في الشهادات التاريخية والسير الذاتية، سواء في صيغها المكتوبة أو عبر وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي. ويقف خلف هذه السرديات فاعلون في الحقل السياسي ومجالات العمل العام، يقدّمون روايات تكشف، في حالات عديدة، معطيات غير مألوفة، وأحيانًا شديدة الحساسية.

وفي هذا الإطار، فقد لاحظتُ آنذاك- وما زلتث ألاحظ حتى الآن- تنامي جرأة مسؤولين سامين سابقين — مدنيين وعسكريين — في الإفصاح عمّا ظلّ لسنواتٍ في دائرة الكتمان الوظيفي. لقد بدا المشهد وكأنّه انتقالٌ من ثقافة التحفّظ إلى دينامية البوح: ألسنةٌ تنفكّ، أسرارٌ مهنية تتسرّب، وحدودٌ تقليدية للسرّية تتآكل تدريجيًا.

غير أنّ هذا التحوّل طرح إشكالًا مركزيًا: إذ أصبح كلّ فاعلٍ يحتفظ بـ«سرّه المهني» أو يكشفه وفق تقديره الشخصي، بعد أن كان مجرّد الخوض فيه، زمن الوقائع، من المحظورات المؤسسية. ذلك أنّ طبيعة هذه المعلومات تضعها ضمن فئات مصنّفة: «سري للغاية»، «سري دفاع»، «سري»، « بثٌ محدود»… وهي تسميات ليس لها مدلول  إلا ضمن منظومات قانونية دقيقة.

في النظم التي تحترم بنيتها المؤسسية، لا يتمّ الكشف عن هذا الصنف من المعلومات إلا عبر مساطر قانونية واضحة لرفع السرّية، تضبط الجهة المختصة، والإجراءات، والآجال الزمنية.

فراغ معياري وإشكال السيادة على المعلومات الحسّاسة

بيّنتُ أنّ السياق الوطني كان يفتقر إلى إطار قانوني واضح ينظّم التعامل مع المعلومات المصنّفة. وهو ما يضع المسؤول أمام فراغ معياري يجعله متروكًا لاجتهاده الشخصي في تقدير خطورة المعطيات وتوقيت نشرها.

صحيح أنّ حساسية المعلومات السرّية تتراجع بمرور الزمن، غير أنّ هذا التراجع لا يُترك للتقدير الذاتي، بل يُؤطَّر قانونيًا. ففي التجربة المقارنة — كالحالة الفرنسية — لا يُرفع طابع «سري دفاع» إلا بعد خمسين سنة على الأقل- أي بعد نصف قرن، بينما تخضع بقية التصنيفات لآجالٍ مضبوطة بنصوص صريحة.

أما في موريتانيا، فلم تكن تتوفر، إلى وقت قريب، معطيات رسمية منشورة تضبط هذه المسألة. وقد تأكّد لي ذلك من خلال محاولات مهنية متكررة، منذ بداية مساري العسكري، للوصول إلى مرجعيةٍ تنظيمية معتمدة دون جدوى.

ويترتّب على هذا الفراغ تحوّلٌ مقلق: إذ ينتقل تدبير السرّ المهني من مجال المسؤولية السيادية للدولة إلى حيّز التقدير الفردي، رغم أنّ الأمر يتعلّق بأمن جماعي وبمصالح عليا للدولة ومؤسساتها ومجتمعها.

كاشفية التجربة المهنية الشخصية

هذا الاستنتاج لم يكن نظريًا. فقد عايشتُ تجلياته عمليًا أكثر من مرة كان من اخطرها مشاركتي، رفقة فريق من الضباط، في إعداد دليلٍ للتاريخ العسكري الوطني بطلبٍ من الجهة العسكرية لجامعة الدول العربية أواخر التسعينيات وبداية الألفية.

وقد استلزم العمل الرجوع إلى أرشيفات عسكرية مصنّفة، كان يفترض أن يخضع الاطلاع عليها ونشرها لضوابط إجرائية دقيقة. غير أنّ غياب الإطار القانوني الناظم فرض نمطًا من التدبير القائم على التقدير الشخصي لمستوى الحساسية.

كان الأمر، في جوهره، ممارسةً أقرب إلى «رفع السرّية بالاجتهاد»، لا بالمرجعية المؤسسية.

الحاجة إلى عقيدة وطنية في تدبير السرّية

انطلاقًا من ذلك، خلصتُ إلى أنّ الحاجة ملحّة لإرساء سياسة وطنية متكاملة لسرّية المعلومات. فإذا كانت المؤسسة العسكرية — المفترض أن تكون نموذجًا في حماية المعطيات الحساسة — تعاني من هشاشة مرجعية، فما هو حال بقية القطاعات العمومية التي هي أولى بالحاجة إلى التأطير‼

وينبغي أن تتمثل مرتكزات هذه السياسة في:

  • سلّم وطني موحّد لتصنيف المعلومات؛
  • مساطر دقيقة لرفع السرّية وتعديل مستوياتها؛
  • نظام تأديبي وجنائي رادع للمخالفات.

مثل هذا الإطار من شأنه أن ينقل التعامل مع المعلومات الحساسة من منطق "الاجتهاد الفردي" إلى ثقافة مؤسسية قائمة على المسؤولية والانضباط القانوني، مع امتداد أثره إلى مختلف وسائط تداول المعلومة، المكتوبة أو الشفهية، السمعية أو البصرية.

 

2. تحوّل تشريعي بيِّن المعالم: من القلق إلى التقنين

اليوم، وبعد مرور ستّ سنوات على مقالي السابق الذكر، لم يعد السياق التشريعي على حاله.

فقد صادق مجلس الوزراء مؤخرا على مشروع قانون يتعلق بالوثائق الوطنية، وهو تطوّر يحمل دلالة مؤسسية مهمّة في اتجاه سدّ الفراغ القانوني الذي أثير سابقًا.

يمثّل هذا المشروع خطوة تأسيسية نحو إرساء سيادة قانونية في تدبير الأرشيفات الحساسة، ووضع حدّ للاجتهادات الفردية في مسائل تتصل بالأمن والمصلحة العامة.

فقد أرست المواد 18 و19 و20 سلّمًا زمنيًا قانونيًا لرفع السرّية:

  • إتاحة الأرشيفات التاريخية بعد عشرين سنة كقاعدة عامة؛
  • تمديد الأجل إلى خمسين سنة للملفات المرتبطة بالأمن الوطني، والتحقيقات، والحياة الخاصة، والقضايا القضائية، ومعطيات الحالة المدنية؛
  • تمديد استثنائي إلى مائة سنة للأرشيفات الأشد حساسية، كسجلات الميلاد، والمعطيات المهنية والصحية، والملفات المتصلة بالنزاعات القبلية والإثنية والأنساب.

ويمثّل ذلك انتقالًا من منطق الغموض الزمني إلى الضبط القانوني للآجال.

كما جاءت المادة 41  لتؤسّس لنظام زجري يحمي الأرشيفات من الانتهاك، عبر تجريم:

  • إفشاء الأسرار المهنية المرتبطة بالأمن الوطني؛
  • الإتلاف المتعمّد للوثائق؛
  • السرقة أو الإخفاء؛
  • إخراج الأرشيف خارج الوطن دون ترخيص.

وبذلك، أعاد المشروع الاعتبار لمفهوم السرّ المهني بوصفه مسؤولية سيادية مؤطّرة بالقانون، لا قرارًا فرديًا خاضعًا للتقدير الشخصي.

إنه تطوّر تشريعي يؤسس لتوازن ضروري بين حق المجتمع في الولوج إلى المعلومة، وواجب الدولة في حماية ذاكرتها ومصالحها العليا.

العقيد (متقاعد)
البخاري محمد مؤمل

تصنيف: 

دخول المستخدم