حين بلغني خبر صدور كتاب «ببساطة... قلمي التائه في ثلاثة أنفاس: تأملاً، وملاحظةً، وقراءةً»، سارعت إلى اقتنائه، مدفوعًا بفضولٍ قديم وتقديرٍ فكريٍّ ترسّخ في نفسي على مهلٍ عبر السنين.
لا أعرف مؤلفه، البخاري محمد مؤمل، إلا من خلال الفضاءات الافتراضية، ولم تُتح لي فرصة لقائه وجهًا لوجه. غير أنّ بعض لقاءات الأرواح تسبق أحيانًا لقاءات الأجساد.
في بداياتي على موقع فيسبوك، كان قد استوقفني بما أبداه من اهتمامٍ خاصٍّ بالرسم، وبالفن التجريدي على وجه الخصوص؛ ذلك الفن الذي لم يكن كثيرون في محيطنا يرون فيه سوى أشكالٍ غامضة أو خربشاتٍ عديمة المعنى. وكانت تلك الحساسية الجمالية، الخارجة عن المألوف والسائد، توحي منذ ذلك الحين بنظرةٍ مختلفة إلى العالم؛ نظرةٍ لا تكتفي بما يبدو على السطح، بل تسعى إلى اكتشاف خيوط الانسجام الخفية الكامنة وراء ما يبدو من فوضى واضطراب.
ومنذ ذلك الوقت، تعلّمت أن أقدّر ما ينشره من كتابات متناثرة في الفضاء الرقمي. غير أنّ قراءة هذا الكتاب وضعتني أمام أمرٍ أوسع وأعمق: أصالةُ عملٍ يرفض أن يُحبَس داخل جنسٍ أدبي واحد أو رؤيةٍ فكرية واحدة. فالكتاب يبدو أشبه بفسيفساء من النصوص المتعددة المشارب والآفاق، وزخمٍ متنوّعٍ أحسن صاحبه تنظيمه وتوجيهه، فيستوقف القارئ منذ الصفحات الأولى ويقوده نحو أسئلةٍ جوهرية تتصل بالإنسان والعالم.
ومع توالي الصفحات، تتشكّل الكلمات وتتبدّد في انسيابٍ يكاد يكون عضويًّا. وتتقاطع الأفكار، وتتفاعل، وتتداخل، وتتلاقح فيما بينها، فتولد منها تأملاتٌ كثيفة وبصيرة نافذة في عالمٍ يعيش تحولاتٍ متسارعة. عالمٌ يبدو وكأنه يبحث عن ذاته، فيما يواصل في الوقت نفسه إنتاج اضطراباته الخاصة، مأخوذًا أحيانًا بالصورة المبالغ فيها التي يصنعها لنفسه ويغذّيها باستمرار.
إن قراءة هذا العمل تعني قبول دعوةٍ إلى رحلةٍ داخل الذات: أن نهرب دون أن نفرّ، وأن نلاحظ دون أن نتسرّع في إصدار الأحكام، وأن نقرأ ما وراء الظواهر. وهي أيضًا فرصة لاكتشاف قلمٍ تائهٍ بالمعنى النبيل للكلمة؛ قلمٍ يستكشف، ويتساءل، ويُقلق أحيانًا، لكنه قبل كل شيء يُضيء الطريق.
محمد أحمد ولد التقي
المصدر : Md Ahd Ould Taghi (Facebook )
تصنيف:







