أطرح هذا السؤال باستغراب، لأنه يثير في نفسي مشاعر متباينة؛ فبينما يبعث في شيئاً من السرور، يترك في الوقت نفسه قدراً من عدم الارتياح. فقد اكتشفت هذا المساء أن الأمر يتعلق بمورد تربوي مهم أحسن المسؤولون عن التعليم في مقاطعة كيبيك الكندية توظيفه؛ حيث مكنهم انفتاحهم الواسع على التراث الثقافي العالمي إلى الاستفادة من أعمال موسيقيين من بلادنا.
وفي المقابل، ما زلنا في موريتانيا نُهمل هذا الجانب، رغم ما يزخر به من إمكانات تربوية واعدة، كفيلة بأن تؤدي دوراً مهماً في تكوين أبنائنا وتنشئتهم.
وأستشهد هنا بحالة الفنانة المعلومة بنت الميداح، التي تُدرَّس رؤيتها البيئية اليوم بالفعل لتلاميذ المرحلة الثانوية في كيبيك. واكتشافي لهذه المعلومة يُسعدني بطبيعة الحال، لكنه يدفعني أيضاً إلى التساؤل: لماذا لا نُدخل نحن بدورنا مثل هذا النوع من التعليم إلى منظومتنا التربوية الوطنية، كما يفعل الكنديون؟
وبما أنني لا أملك جواباً عن هذا السؤال، فسأكتفي بما أعرفه في هذا المجال: أن أروي كيف وصلني هذا الخبر السار، وكيف تُدرَّس أعمال المعلومة على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.
فأثناء بحثي عن ترجمة إحدى أغنيات فنانتنا الكبيرة، التي كنت قد شاركتها أمس (*)، كانت دهشتي بقدر فرحتي عندما اكتشفت أن هذه الأغنية أصبحت اليوم جزءاً من برنامج التعليم الثانوي في كيبيك.
وبشكل أدق، فقد أُدرجت نسختها الفرنسية منذ العام الماضي ضمن الكتاب المدرسي التالي:
«العالم المعاصر، الحلقة الثانية من التعليم الثانوي – السنة الثالثة (غلوب)، كراس التعلّم المصحح»،
تأليف: مود لادوسور وآلان باران.
وفي الصفحة 37 من هذا الكتاب، يرد تعليق ضمن محور «البيئة»، يشرح المخاطر والتحديات التي تهدد كوكب الأرض، كما يبرز سبل المحافظة على النظم البيئية وفق الرؤية التي تتبناها «مغنية الصحراء المتمردة»، وهو اللقب الذي يطلقه عليها كثيرمن المعجبين ومن النقاد على حد سواء، تعبيراً عن شخصيتها الفنية المبدعة والمتفردة.
وانطلاقاً من رسالتهما التربوية، يوجّه مؤلفا الكتاب إلى التلاميذ رسالة تعليمية واضحة وقوية وسهلة الفهم، من خلال تعليقات موجزة وأسئلة وأجوبة، مع ترك مساحات مخصصة لإضافات التلاميذ وإجاباتهم الخاصة.
ويُضاف إلى ذلك، وفي الصفحة نفسها، مربع يتضمن لمسة شعرية تتمثل في مقطع مختار بعناية من كلمات الأغنية. وأذكّر هنا بأن المعلومة نفسها هي من كتبت كلمات هذا العمل ولحّنت موسيقاه، وهو أحد أعمال ألبومها الأخير «كنو».
التعليق الموجّه إلى التلاميذ
(مقتطف من الكتاب المدرسي الكيبيكي)
«(...)
5- وُلدت المعلومة منت الميداح سنة 1960. وهي مغنية شعبية وسياسية موريتانية. وفيما يلي مقتطف من كلمات أغنيتها "كلنا مسؤولون".
أ- ما المشكلات البيئية التي تتحدث عنها المعلومة؟
تدهور البيئة والتلوث.
ما الهدف من هذه الأغنية؟
توعية السكان بضرورة حماية الطبيعة والمحافظة على بيئتهم.
هل يقتصر مضمون أغنية المعلومة على موريتانيا؟
لا. فعنوان الأغنية "كلنا مسؤولون" يحمل دلالة كونية، ويمكن أن يخاطب البشرية جمعاء.
إلى أي مبدأ بيئي ورد في تقرير برونتلاند تشير المعلومة؟
إلى التنمية المستدامة.»
(مقتطف من الكتاب المدرسي الكيبيكي:
"(...)
قطيع مذعور نيران تطلق
رحيل طيور وحلم ممزق
فالبحر نفايات بكاء ونوح
وريح المنايا في الشاطئ تفوح
قطيع مذعور نران تطلق
رحيل طيور وحلم ممزق
فالبحر نفايات بكاء ونوح
وريح المنايا في الشاطئ تفوح
كفانا تدمير كفانا تلويث
زعمنا التعمير فهل من مغيث
(...)
يا قومنا يا أهلنا على
الطبيعة حافظوا
(...)
لا تهلكوا حرثا لا تحرقوا نبــات
لا تقطعوا نسلا فما ذنب الحياة
(...)
حافظوا واجتهدوا
وازرعوا الأرض واحصدوا
(...)"
المعلومة بنت الميداح،
"كلنا مسؤولون"، 2012.
لقد حرصتُ على نقل هذه المقاطع حرفياً كما وردت في الكتاب المدرسي الكيبيكي، رغبة مني في عرض المعلومة بتفاصيلها، وتقديم مثال ملموس يوضح كيف يمكن تثمين جانب من المواهب والموارد البشرية التي تزخر بها بلادنا. وهي مواهب، للأسف، غير مستثمرة عندنا بالقدر الذي تستحقه.
وهذا المثال المشرّف لفنانة من بلادنا تعيش بيننا، يأتينا هذه المرة من مقاطعة كندية تبعد عنا ستة آلاف كم تقريبا. فلعل هذا الأمر يساعدنا على إدراك ما نملكه من ثراء ثقافي وفني، وعلى ترجمة هذا الإدراك إلى ممارسات تربوية ملموسة.
فلا ينبغي أن نسمح بأن تتوارى الصورة الجميلة عن ثقافتنا التي يرسلها لنا مسؤولو التهذيب في كيبيك. فلنُصغِ إلى المواهب الكامنة أو الصاعدة في بلادنا، حتى تجد ما تستحقه من اهتمام وصدى داخل الوطن حتىأن يستفيد منها أبناؤنا. فتنمية الأمم تبدأ، قبل كل شيء، من هنا.
البخاري محمد مؤمل
*كتب هذا النص باللغة الفرنسية ونشر على صفحته مؤلفه في فيسبوك في فبراير 2015- أي منذ أكثر من 11 سنة، قبل أن تعيد آنذاك نشره مواقع موريتانية من بينها AdrarI-nfo و CRIDEM
تصنيف:







